الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
276
نفحات الولاية
جعلتهم يعتقدون بأنّ رعاية التوحيد تتطلب نفي كافة ألوان الحكومة والامرة ، غير أنّهم سرعان ما وقفوا على بطلان مذهبهم في الحكومة لما شعروا بحاجتهم إلى من يتزعمهم ويحكم بينهم ، رغم عنادهم الذي أفرزه جهلهم والذي لم يدعهم يفيقون إلى أنفسهم . مع ذلك فقد قضت كلمات الإمام عليه السلام مضاجعهم واستطاعت أن تفعل فعلها في ميدان القتال فجعلت الكثير منهم يعودون إلى رشدهم فيعلنوا توبتهم بعد أن وقفوا على عمق انحرافهم ، على كل حال فانّ الإمام عليه السلام يؤكد في هذه الخطبة أنّ الحاكم وا لمشرع الأصلي هو اللَّه سبحانه ؛ حتى الحكم بين الناس لابدّ أن يستند إلى تخويل منه ، إلّاأنّ هذا لا يعني أن اللَّه ينبغي أن يحضر بنفسه في المحاكم ليقضي ويحكم بين الناس ، أو أن يأخذ بزمام الأمور فيمارس وظيفته كرئيس للبلاد أو والياً وعاملًا على منطقة ، أو أن يوكل هذه المهمة إلى الملائكة فيبعثهم إلى الأرض . فهذا كلام عبثي ولغو فارغ لا يرتضيه من كان له أدنى فهم وإدراك ، إلّاأنّ المؤسف هو أن هذه الفكرة كانت متأصلة في أفكار الخوارج ، ومن هنا خالفوا أمير المؤمنين عليه السلام واعترضوا عليه : لم قبلت التحكيم ؟ ! وصرح بعض شرّاح نهجالبلاغة بأنّ الخوارج يزعمون أن الحكم يتطلب الاذن الإلهي ولابدّ أن يصرح القرآن بهذا الأمر ، بينما لم يأذن القرآن لأحد . ولعل هذا هو الذي دفع بعض الاعلام « 1 » لأن يستدلون على نفي عقيدة الخوارج بالآية القرآنية الشريفة الواردة بشأن الحكم في الاختلافات العائلية « وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً » « 2 » . فإذا كانت هذه المسألة الصغيرة تحتاج إلى الحكم فما ظنك بالمسائل المهمة التي يدعو الاختلاف فيها إلى تفشي الهرج والمرج في صفوف المجتمع ، أفلا ينبغي فصل هذه الاختلافات وحلها عن طريق الحكم ؟ ! ومن هنا يرى البعض أنّ الإمام عليه السلام لم يكن مخالفاً لمسألة التحكيم في بعض الحالات ، إلّا أنّه لم يكن يوافق شخص الحكمين وكان يعترض عليهما بشدة . ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه في ضرورة تشكيل الحكومة ، لأنّ لخوارج . كما أشرنا سابقا - لم
--> ( 1 ) العلّامة الخوئي 4 / 183 من شرح نهجالبلاغة قد أشار إلى هذا المعنى ، ويستفاد من التأريخ الكامل لابنأثير أن ابن عباس احتج على الخوارج بهذه الآية ( الكامل 3 / 327 ) . ( 2 ) سورة النساء / 35 .